الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
22
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المتبعين لما تضمنه من أسباب الخير في الدنيا والآخرة . ووصف الكتاب بالمصدر مبالغة في الاستعارة ، وموسى أيضا رحمة لرسالته كما وصف محمد صلى اللّه عليه وسلّم بذلك في قوله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] . وقوله : وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ إلخ هو المقيس على كِتابُ مُوسى . والإشارة إلى القرآن لأنه حاضر بالذكر فهو كالحاضر بالذات . والمصدّق : المخبر بصدق غيره . وحذف مفعول المصدّق ليشمل جميع الكتب السماوية ، قال تعالى : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ * ، أي مخبر بأحقيّة كل المقاصد التي جاءت بها الكتب السماوية السالفة . وهذا ثناء عظيم على القرآن بأنه احتوى على كل ما في الكتب السماوية وجاء مغنيا عنها ومبينا لما فيها . والتصديق يشعر بأنه حاكم على ما اختلف فيه منها . وما حرّف فهمه بها قال تعالى : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [ المائدة : 48 ] . وزاده ثناء بكونه لِساناً عَرَبِيًّا ، أي لغة عربيّة فإنها أفصح اللغات وأنفذها في نفوس السامعين وأحب اللغات للناس ، فإنها أشرف وأبلغ وأفصح من اللغة التي جاء بها كتاب موسى ، ومن اللغة التي تكلّم بها عيسى ودوّنها أتباعه أصحاب الأناجيل . وأدمج لفظ لِساناً للدلالة على أن المراد بعربيته عربية ألفاظه لا عربيّة أخلاقه وتعاليمه لأن أخلاق العرب يومئذ مختلطة من محاسن ومساو فلما جاء الإسلام نفى عنها المساوي ، ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق » . وغلب إطلاق اللسان على اللغة لأن أشرف ما يستعمل فيه اللسان هو الكلام قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [ إبراهيم : 4 ] ، وقال : فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ * [ مريم : 97 ] . وقوله : لتنذر الَّذِينَ ظَلَمُوا يجوز أن يتعلق ب وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لأن ما سبقه مشتمل على الإنذار والبشارة والأحسن أن يتعلق بما في كِتابُ من معنى الإرشاد المشتمل على الإنذار والبشارة . وهذا أحسن ليكون لتنذر علة للكتاب باعتبار صفته وحاله . والذين ظلموا هم المشركون إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] ويلحق بهم الذين ظلموا أنفسهم من المؤمنين ولذلك قوبل بالمحسنين وهم المؤمنون الأتقياء لأن المراد ظلم النفس ويقابله الإحسان . والنّذارة مراتب والبشارة مثلها .